ابراهيم بن عمر البقاعي

43

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عظيم للقطع بالساعة التي هي القيامة ، فهو سبب للعلم بالأمرين : عموم الإعدام وعموم القيام . ولما كان قريش يستنصحون اليهود يسألونهم - لكونهم أهل الكتاب - عن أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان النصارى مثلهم في ذلك ، وكان كون عيسى عليه الصلاة والسّلام من أعلام الساعة أمرا مقطوعا به عند الفريقين ، أما النصارى فيقولون : إنه الذي أتى إليهم ورفع إلى السماء كما هو عندنا ، وأما اليهود فيقولون : إنه إلى الآن لم يأت ، ويأتي بعد ، فثبت بهذا أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام فيما أخبر اللّه تعالى عنه من إنعامه عليه ، ومن أنه من أعلام الساعة بشهادة الفرق الثلاثة اليهود والنصارى والمسلمين ثباتا عظيما جدا ، فصارت كأنها مشاهدة ، فلذلك سبب عما سبق قوله على لسان نبيه عليه الصلاة والسّلام ، لافتا القول إلى مواجهتهم مؤكدا في مقابلة إنكارهم لها بما ثبت من شهادة الفرق الثلاثة : فَلا تَمْتَرُنَّ أي تشكوا أدنى شك وتضطربوا أدنى اضطراب وتجحدوا أدنى جحد وتجادلوا أدنى جدل بِها أي بسببها ، يقال : مري الشيء وامتراه : استخرجه ، ومراه مائة سوط : ضربه ، ومراه حقه ، أي جحده ، والمرية بالضم والكسر : الجدل والشك وَاتَّبِعُونِ أي أوجدوا تبعكم بغاية جهدكم هذا أي كل ما أمرتكم به من هذا وغيره صِراطٌ أي طريق واسع واضح مُسْتَقِيمٌ أي لا عوج فيه . ولما حثهم على السلوك لصراط الولي الحميد بدلالة الشفوق النصوح الرؤوف الرحيم ، حذرهم من العدو البعيد المحترق الطريد ، فقال دالا على عظيم فتنته بما له من التزيين للمشتهى والأخذ من المأمن والتلبيس للمشكل والتغطية للخوف بالتأكيد ، لما هم تابعون من ضده على وجه التقليد : وَلا يَصُدَّنَّكُمُ أي عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود بأيسر سعي الشَّيْطانُ ولما كان كأنه قيل ما له يصدنا عن سبيل ربنا ؟ ذكر العلة تحذيرا في قوله : إِنَّهُ لَكُمْ أي عامة ، وأكد الخبر لأن أفعال التابعين لكم أفعال من ينكر عداوته : عَدُوٌّ مُبِينٌ أي واضح العداوة في نفسه مناد بها ، وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم حتى أنزلكم بإنزاله عن محل الراحة إلى موضع النصب ، عداوة ناشئة عن الحسد ، فهي لا تنفك أبدا . ولما قدم سبحانه أنه أنعم على عيسى عليه الصلاة والسّلام وجعله مثلا لبني إسرائيل ، ولوح إلى اختلافهم وأن بعضهم نزل مثله على غير ما هو به ، وحذر من اقتدى بهم في نحو ذلك الضلال ، وأمر باتباع الهادي ، ونهى عن اتباع المضل ، صرح بما كان من حالهم حين أبرزه اللّه لهم على تلك الحالة الغريبة ، فقال عاطفا على ما تقدم تقديره بعد قوله تعالى وَجَعَلْناهُ مَثَلًا : وَلَمَّا جاءَ عِيسى أي إلى بني إسرائيل بعد